logo
يثرب يونس .. جربت تحب!

يثرب يونس .. جربت تحب!

صف لي الحب إن استطعت..

هل حاولت عزيزي القارئ أن تطرح هذا السؤال على مجموعة من أصدقائك، حتما ستجد ردودا متباينة منهم حول تجربتهم في الحب، عاجزين كليا عن وصف الحب ذاته، لكنهم بارعون في وصف العاشق أو الحبيبة، كمن يطلب منه وصف الروح فيصف صاحبها، فحين وصف الحب وصف حياته في علاقة حبه، يصف ذاته المغرمة، أو يصف سعادته المترتبة على قصة حبه، يصف الحب أنه وطن العشاق لا إحساسه بهذا الوطن، أو يصف الحب أنه عطاء.. احتواء.. حنان فوصف الاحساس بإحساس آخر!

أو يصف الحب أنه معنى لوجوده "المحب" في الحياة، وقد يصفه أنه سجن انفرادي مع شخص اختاره القلب، وهناك من يصفه أنه أسلوب حياة تجمل لنا الدنيا، وهناك من صوره أنه أضلع جدران الحياة فيجد الحبيب في حبيبته الأخت والأم والابنة والصديقة، وهناك أيضا من يصف الحب بالجنون لمتطلباته واحتياجاته وأدواته وشطحاته، وهناك من شبهه بالمتاهة التي يضيع في طياتها الحبيب.. 

وهناك من اعتبره كالإيمان معتقدا بداخلنا عقمت الحروف عن وصفه، وهناك من اعتبره مجموعة مشاعر صادقة وأمينة، وهناك من وصفه ببلاغة أنه "الضم في كل شيء" بمعنى جامع لكل الأحاسيس والمشاعر، وهناك من عض أنامل الندم لأنه لم يحب يوما أو يعرفه أو يتذوقه..

فمعظمهم إن لم يكن الغالب منهم ستكون إجابتهم على سؤالك، تحتوي ألم التجربة ووجعها، إن لم يكن لعن الجنس الآخر في العلاقة ونعته بـ الخائن والأناني أو المادي والغيور وما إلى ذلك من صفات عانى منها كل من طرح عليهم السؤال من شريك علاقة الحب.
تعريف الحب هو شعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخص ما، وقد ينظر للحب على أنه كيمياء متبادلة بين اثنين، ومن المعروف أن الجسم يفرز هرمون الأوكسيتوسين المعروف بهرمون المحبين أثناء اللقاء.

أما مفهوم الحب فهو ذلك الشعور الذي لا يتم اختياره، وتصعب السيطرة عليه.

في المطلق كل علاقات الحب باختلاف أعمار المحبين بها الكثير من متعة الحب والاهتمام والاحتواء وذوبان الذات في حب الآخر، لا ننكر السعادة في قرب من نحب، ولا يمكن إخفاء أن الحياة معهم لها إحساس خاص يجعلها تدنو من إحساس الشخص أنه يعيش في الجنة، ولكن لنقل الحقيقة كاملة فإن تلك العلاقة لا تخلو من ألم نفسي قد يتلذذه المحبين أحيانا، ويلعنوه في كثير من الأحيان الأخرى.

إن وجهنا سؤالنا لمجموعة من شباب اليوم من الجنسين، سنجد إجابتهم لا تخلو من إحساسهم بالانطلاق والمرح والتعايش مع الآخر في علاقة حبهما، وإن كان فيهم تجربة موجعة أيضا ستجدها غير مؤثرة عليهما بالدرجة الكبيرة، "يختلف شباب اليوم عن شباب الستينيات مثلا في رومانسيتهم وتجاربهم وعلاقاتهم وأثرها عليهم"، فلذلك ستجد هؤلاء الشباب يتعاملون مع الحب بكل انطلاق ومع فشل علاقة الحب بكل سهولة في قلب صفحة من كتاب تجاربهم وبكل سرعة، ربما لأنهم في عصر إلكتروني رقمي في مختلف نواحي حياتهم ليس فقط في علاقاتهم العاطفية، فلا يتعاملون فيه بكامل الإحساس وبرهف العواطف وعمقها كسابق غيرهم من شباب القرن الماضي مثلا.

وإن كنت من محبي الرومانسية ودفء العواطف حاول طرح سؤالنا على الأجيال السابقة، ستجد ردودا من لهيب إحساسها تدفئ قلبك، ومن عمق تجربتها تغرقك في بحر حب عاشته بكل إحساسها وجوارحها، ستجدهم كالشعراء في سرد التجربة، وكالرسامين في وصف أدق تفاصيلها التي أمتعتهم، ستحب الحب من خلالهم، ببساطة لأنهم خاضوا تلك التجربة بتفهم كبير، بإدراك لاختلافهم مع الشريك، بوعي لمعنى الإحساس والعاطفة وقيمته لبث الروح في يوميات حياتهم، وإن لم يكن يخلو الأمر من فشل في كثير من العلاقات "كسنة للحياة فيها النجاح وفيها أيضا الفشل في كل التجارب وان كانت عاطفية".

بين جيل سبقنا تضج منه الرومانسية، وجيل بعدنا تنهشه السطحية في علاقاته، نكن نحن....

جيل ما بين الجد والحفيد، جيل ناله النضج العاطفي والعقلي بسهام التجربة، تمتزج بداخله الرومانسية والإلكترونية، يذوب إحساسه بكلمات شعر ويرقص نبض حبه على الحان ديجيتال، جيل اقتسم علاقة الحب مع العقل ومزجها مع متطلبات الحياة بإدراك ووعي، وغمسها بمدنية العصر، وغلفها بدفء الرومانسية، فهو جيل يميل في مطلقه لمن سبقه من جيل ولكن بلمسة عصرية أن لم ندعوها رقمية عملية..

وإن بحثنا عن الحب في كتب الفلاسفة، نجد أفلاطون يصف الشخص الباحث عن الحب بأنه نصف يبحث عن نصفه الآخر، كما رأى أن الحب ما هو إلا وسيلة للخلاص، فهو الطريق نحو التحرر الفكري والعاطفي الذي يقود الإنسان إلى حريته، قد عبر الجاحظ عن الحب في كتابه النساء، وفي كتاب "رسالة القيان" بأنه ذلك الشعور العقلاني البعيد عن اللهو، وقد طالب الناس أن يقاوموه.. 

أما "ابن حزم" الأندلسي فقد رأى في كتاب طوق الحمامة في الألفة أن الحب يبدأ بالهزل وينتهي بالجد، ورأى "أبو بكر الرازي" أن الإنسان يبتلى بالعشق، لذلك نادى بضرورة الابتعاد عنه، وكان رأي "ابن سينا" أن الحب علة ومرض، ولكن "ابن عربي" قال إن الحب درجات، يبدأ بالهوى الذي يعبر عن الميل العاطفي الذي ينشأ من نظرة عابرة، أما الدرجة الثانية فهي الحب الذي يعبر عنه بالميل العاطفي، وينتهي بالدرجة الثالثة وهو العشق الذي يعني المحبة بإسراف، فتستولي المشاعر الفياضة على صاحبها وتسيطر عليه، لدرجة أنه لا يشعر بأحد إلا بمحبوبه الذي يغنيه عن الكون بأكمله.

دعونا نختم بمقولة حكيم في وصف حبه: "إن الحب طبعة واحدة فإن صادفته لا تفقده لأنه لن يتكرر، فالحب قدر في التلاقي وائتلاف أرواح وذوبان الإحساس بين قلبين، جمعهما الإعجاب والتعلق والتوافق، جعلهما صديقين ثم اكتشفا حبا ينمو بين قلبيهما دون قصد أو إدراك، قدر كتب على قلوب المحبين، ولكنه أيضا مصير كتبوه بعشقهم.. فنحن نحب الحب قبل أن نخوضه".